ابن أبي الحديد

367

شرح نهج البلاغة

وهناك طبقة أخرى يذكرونها ، وهي أن يسلب عن نفسه أيضا ، فلا يكون له شعور بها أصلا ، وإنما يكون شاعرا بالقيوم الأول سبحانه لا غير ، وهذه درجة الاتحاد ، بأن تصير الذاتان ذاتا واحدة . وهذا قول قوم من الأوائل ومن المتأخرين أيضا ، وهو مقام صعب ، لا تثبت العقول لتصوره واكتناهه . * * * واعلم : أن هذه الصفات والشروط والنعوت التي ذكرها في شرح حال العارف ، إنما يعنى بها نفسه عليه السلام ، وهو من الكلام الذي له ظاهر وباطن ، فظاهره أن يشرح حال العارف المطلق ، وباطنه أن يشرح حال عارف معين ، وهو نفسه عليه السلام . وسيأتي في آخر الخطبة ما يدل على ذلك . ونحن نذكر الصفات التي أشار عليه السلام إليها واحدة واحدة : فأولها : أن يكون عبدا أعانه الله على نفسه ، ومعنى ذلك أن يخصه بألطاف ، يختار عندها الحسن ويتجنب القبيح ، فكأنه أقام النفس في مقام العدو ، وأقام الألطاف مقام المعونة التي يمده الله سبحانه بها ، فيكسر عادية العدو المذكور ، وبهذا الاعتبار سمى قوم من المتكلمين اللطف عونا . وثانيها : أن يستشعر الحزن ، أي يحزن على الأيام الماضية ، أن لم يكن اكتسب فيها من موجبات الاختصاص أضعاف ما اكتسبه . وثالثها : أن يتجلبب الخوف ، أي يخاف من الاعراض عنه ، بأن يصدر عنه ما يمحوه من جريدة المخلصين . ورابعها : أن يعد القرى لضعيف المنية ، وذلك بإقامة وظائف العبادة .